فوزي آل سيف

99

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

وفي الجواب عن الحديثين وأمثالهما بأننا في نفس الوقت الذي لا نعتقد فيه بعصمة صحابة النبي صلى الله عليه وآله وأنهم معرضون للخطأ، وأن بعضهم عندما يتبين لهم خطؤهم يتراجعون عنه بينما يصر البعض الآخر وتأخذهم العزة بالإثم، إلا أننا لا نستبعد أنه في الفترة التي نشط فيها سوق وضع الأحاديث بدءا من أيام معاوية بن أبي سفيان، أن يكون قد تم وضع عشرات الأحاديث على لسانه،[288]فإن وُضاّع الأحاديث يتخيرون الثقات من الرواة ليضعوا الحديث على لسانهم، وهنا ينبغي النظر لا إلى السند فقط وإنما إلى المتن والمضمون ليتم تقييم هذا المتن والمضمون بحسب المسار العام للراوي وشخصيته وفكره، وبالتالي فيقوى الظن لدينا بأن الكثير مما ذكر عنه - وهو مخالف لتوجهه ومساره العام - هو موضوع عليه، ومنسوب إليه من غير أن يكون كذلك. وفي خصوص الحديثين المذكورين: فإن الحديث الثاني عن قضية اليمن فيه دلالات كثيرة، أن علياً عليه السلام لا يساوم على الحق وكما قال النبي - بناء على هذا الحديث - إنه أخشن في ذات الله، ولا يهادن فيه ولو أدى ذلك إلى أن يتكلم المرافقون له ضده! فهو لا يخطب ودهم بمقدار ما يطبق أحكام الله، ومثلما قال: إنما لكل واحد منهم سهم كسائر المسلمين فكيف يتصرف هؤلاء خارج هذه المعادلة، وقبل أن يقسم رسول الله فيهم ما ينقسم؟ ومن هذه الدلالات أن أبا سعيد منذ ذلك اليوم علم أن لعليٍّ عليه السلام المنزلة الكبرى عند النبي وأقسم أنه لا يذكره بسوء أبداً سراً ولا علانيةً، بل جعل نفسه داعية فضائل ومناقب الإمام كما رأينا. وأما الحديث الأول حول أبي طالب فإنه لا يصح ولا يصدق كما أثبت ذلك كل من تحدث في إيمان أبي طالب من شيعة أهل البيت أو من مدرسة الخلفاء، وقد تتبعها المرحوم العلامة الأميني رحمه الله في الغدير فليراجع، وإذا كان الأساس وهو سقم وعدم صحة صدور هذا الحديث عن رسول الله، فتوابعه من الراوي الأول إلى الأخير لا معنى لبقائها. مواقفه في أيام أمير المؤمنين عليه السلام: يسجل لأبي سعيد الخدري بالإضافة إلى مشاركته النبي في حروبه وغزواته، أنه كان كذلك مع أمير المؤمنين عليه السلام في معركتي صفين والنهروان،[289]كما يذكر له موقف في أيام أمير المؤمنين، وكان الأمر واضحاً لأبي سعيد في أن أولى الناس بالحق هو علي بن أبي طالب،[290]وأن كل من قاتله هو على ضلالة، فكم تحدث بها عند من يسمعه: «أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وآله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فقلنا يا رسول الله، أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من نقاتلهم؟ قال: مع علي بن أبي طالب، معه يقتل عمار بن ياسر»[291]ويبين للناس موقع الإمام عليه السلام، وقد اهتدى على أثر ذلك بعضهم كما يظهر من هذا الحديث الذي رواه أبو هارون العبدي: كنت أرى رأي الخوارج لا رأي لي غيره حتّى جلست إلى أبي سعيد الخدري فسمعته يقول: أمر الناس بخمس فعملوا بأربع وتركوا واحدة، فقال له رجل: يا أبا سعيد فما هذه الأربع التي عملوا بها؟ قال: الصلاة والزكاة والحجّ والصوم. قال: فما الواحدة التي تركوها؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: وإنّها مفترضة معهنّ؟ قال: نعم

--> 288 ) وقد أشار لهذا المعنى المحقق التستري في كتابه قاموس الرجال 5/ 16 289 ) ابن حبيب، المُحبّر، ص291 290 ) هذا بالرغم من أن المسعودي في مروج الذهب قد نسب إليه أنه تخلف عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام، ورد الرجاليون هذا الكلام ومنهم الشيخ التستري في قاموس الرجال 5/ 16 حيث قال:" عدّه المسعودي في من تخلّف عن بيعة أمير المؤمنين-عليه السلام-إلاّ أنّه بعد اتّفاق أخبارنا على استقامته وقوله بامامة أمير المؤمنين - عليه السلام -وجب القول: إمّا باستبصاره بعد، وإمّا باشتباه المسعودي وأنّه رأى تخلّف سعد بن مالك -أي سعد بن أبي وقّاص - فتوهّمه الخدري، فكلّ منهما سعد بن مالك.." أقول: لا محل للاحتمال الاول ويتعين الثاني. 291 ) ابن عساكر، أبو القاسم: تاريخ دمشق ٤٢/‏٤٧١